تعقيب على تعقيب موقع الدرر السنية حول تشكيكهم في القرآن الكريم

تعقيب على تعقيب موقع الدرر السنية
حول تشكيكهم في القرآن الكريم
قرأت ما أسماه موقع الدرر السنية تعقيبا على تعقيبي على تعقيبهم على كتابي (تكفير أهل الشهادتين) ، فأردت بيان مقدار جهلهم واستكبارهم عن الاعتراف بالخطأ :
وأقتصر بالأمر الأهم ؛ لأنهم قوم يستمرئون الردود ويقتاتون عليها ، رغم زعمهم خلاف ذلك .
وأعني بالأمر الأهم : هو تقريرهم الخطير المؤدي إلى التشكيك في القرآن الكريم ، حيث قالوا في ردهم الأول عليّ :
((مناطُ تَكفيرِ مَن اعتقَدَ تحريفَ القرآن الكريم عندَ المؤلِّف ليس هو القولَ بتَحريفِ القرآن، واعتقادَ النقص والزِّيادة فيه بعد إقامة الحجَّة عليه، بل مناطُه عنده اعتقادُه أنَّ تحريفَه فيه إضاعةٌ للدِّين؛ لأنَّه بهذا سيكون مكذِّبًا أو معاندًا، أو مُعرِضًا أو شاكًّا في دَلالة الشهادتين، وهذا ما صَرَّح به في كتابِه، والذي أَوْقَعَه في هذا الخَللِ هو عَدَمُ التفريقِ بين مَن أنْكَرَ كلماتٍ في كتاب الله قَبْل جَمْع المصحف وإثباتِه بالتواتُر لجَهْله بها؛ كما حصَل لبعضِ الصَّحابة، وبَيْنَ مَن يعتقد نُقصانَه أو الزيادةَ فيه بعد جَمْعِه في عهد عثمانَ، وإجماعُ الصَّحابةِ رضي الله عنهم جميعًا والأمَّة كلِّها مِن بَعْدِهم على أنَّ هذا القرآنَ هو كلُّ ما نزَلَ على النبيِّ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم، وإجماعُهم على كُفْرِ مَن قال بتحريفِه أو نَقْصِ حَرْفٍ منه أو زِيادة حَرْف عليه، قال القاضي عياض ...)) .
ثم نقلوا قولي : ((وقد ذكر شيخ الإسلام ابنُ تيميَّة بعض المسائل التي أخطأ فيها بعضُ الصحابة (رضوان الله عليهم) وبعضٌ من أئمة السلف، ومع ذلك لم يُكفَّروا، بل ما زالوا أئمَّة يُقتَدَى بهم رغم يقينِ أخطائهم، فمِمَّا ذكر في ذلك وله علاقة بتحرير مناط التكفيرِ باعتقاد نقصٍ أو زيادة في القرآن الكريم، قوله: (وأيضًا؛ فإنَّ السَّلَف أخطأ كثيرٌ منهم في كثير من هذه المسائل، واتَّفَقوا على عدم التكفير بذلك...[ثم ذكر عددًا من الأمثلة، وقال:] وهذا خطأ معلوم بالإجماعِ والنَّقْل المتواتر، ومع هذا، فلمَّا لم يكُن قد تواتَرَ النقْلُ عندهم بذلك = لم يكفروا. وإن كان يكفر بذلك مَن قامَتْ عليه الحجة بالنَّقل المتواتر) انتهى كلام ابن تيميَّة الذي نقله المؤلف من (مجموع الفتاوى 12/492)).
ثم ردوا عليه بقولهم : ((والعجيبُ أنَّ الردَّ على شُبهةِ المؤلِّف هذه موجودٌ في كلام ابن تيمية الذي نقَلَه هو! فلم يقل ابن تيمية كما قال المؤلِّف إنَّهم لم يكفروا (لأنهم لم يلتزموا مع هذا الاعتقاد اعتقادًا ينقُضُ دلالة الشهادتين)، بل إنَّ شيخ الإسلام يفرِّق بين مَن أخطأ قبلَ تواتُرِ النَّقْل فهؤلاء لم يُكَفَّروا، وبيْن مَن أخطأ بعد ذلك؛ فهؤلاء يُكَفَّرون بعد إقامة الحجَّة عليهم ..)) .
وواضح من هذا الكلام وصريحه : أن مناط التفريق بين من زاد في القرآن أو نقص هو أن من فعل ذلك قبل جمع عثمان لا يُكفَّر ، ومن فعله بعده فهو الذي يُكفّر !
ولذلك قالوا عني كما سبق : ((والذي أَوْقَعَه في هذا الخَللِ هو عَدَمُ التفريقِ بين مَن أنْكَرَ كلماتٍ في كتاب الله قَبْل جَمْع المصحف وإثباتِه بالتواتُر لجَهْله بها؛ كما حصَل لبعضِ الصَّحابة، وبَيْنَ مَن يعتقد نُقصانَه أو الزيادةَ فيه بعد جَمْعِه في عهد عثمانَ)) .
وهذا ما كرروه مصرحين بالفرق ، عندما قالوا : ((بل إنَّ شيخ الإسلام يفرِّق بين مَن أخطأ قبلَ تواتُرِ النَّقْل : فهؤلاء لم يُكَفَّروا، وبيْن مَن أخطأ بعد ذلك : فهؤلاء يُكَفَّرون بعد إقامة الحجَّة عليهم)) .
فما معنى هذا التفريق ؟
وما معنى قولهم في هذا التفريق : ((قبل تواتر النقل)) ؟
ثم انظروا للكذب الصريح في تعقيبهم الأخير عندما قالوا : ((ونتحدَّى الدكتور أنْ يُثبِتَ صِحَّة اتِّهامِه وقوله: [موقع (الدُّرر السَّنية) الذي يَتبنَّى الفكرَ السلفيَّ المعاصِر يُقرِّر ما مُؤدَّاه أنَّ القرآنَ الكريمَ لم يَكُن معلومًا من الدِّين بالضرورةِ])) .
إذن الدكتور الذي تتحدونه قد أثبت ذلك من لفظكم ، ولازلتم تكابرون !!
ثم أراد القائمون على موقع الدرر أن يخادعوا القارئ ويستغفلوه بإضافة تناقض جديد في تعقيبهم الأخير ، حيث قالوا فيه : ((والكلام الذي يعنيه الدكتور وبنى عليه تهمًا جزافًا وجعل موقع الدرر يشكك في القرآن الكريم أشد من تشكيك المستشرقين هو قولنا هناك أنَّ الدكتور لم يفرق (بين مَن أنْكَرَ كلماتٍ في كتاب الله قَبْل جَمْع المصحف وإثباتِه بالتواتُر لجَهْله بها؛ كما حصَل لبعضِ الصَّحابة) فظنَّ أو هكذا فهِم أنَّنا نقول إنَّ القرآن لم ينقل بالتواتر إلا في عهد عثمان رضي الله وعنه وكلامُنا عمن جهل من الصحابة تواتر آية أو سورة، ومَن زَعَم أنَّ الصَّحابيَّ الذي أنكر آيةً مِن القرآن أنَّها عنده متواترةٌ فقد اتَّهمه في دينه، وما أحسنَ ما قاله الحافظُ ابن حجر في ردِّه على الرازي مؤكِدًا هذا الأمر، قال رحمه الله في ((فتح الباري)) (8/743): (وكذلك ما نُقِل عن ابن مسعود في المعوِّذتين، يعني أنَّه لم يَثبُتْ عندَه القطعُ بذلك، ثم حصَلَ الاتفاقُ بعدَ ذلك، وقد استشكلَ هذا الموضعَ الفخرُ الرازيُّ فقال: إنْ قُلنا: إنَّ كَونَهما من القرآنِ كان متواترًا في عَصرِ ابن مسعود، لزِمَ تكفيرُ مَن أَنكرهما، وإنْ قُلنا: إنَّ كونَهما مِن القرآن كان لم يتواترْ في عصرِ ابن مسعودٍ لَزِمَ أنَّ بعضَ القرآن لم يتواترْ، قال: وهذه عُقدةٌ صعبةٌ. وأُجيب باحتمالِ أنَّه كان مُتواتِرًا في عَصرِ ابن مسعود، لكن لم يتواتَرْ عند ابن مسعودٍ، فانَحلَّتِ العقدةُ بعونِ اللهِ تعالى) أ.هـ، عساها تنحل عند الدكتور بإذن الله)) .
وهنا وقفات :
الأولى : قولهم : ((فظنَّ أو هكذا فهِم أنَّنا نقول إنَّ القرآن لم ينقل بالتواتر إلا في عهد عثمان رضي الله وعنه)) ، هل نسي هؤلاء المكابرون أنهم قد قالوا بالحرف : ((بل إنَّ شيخ الإسلام يفرِّق بين مَن أخطأ قبلَ تواتُرِ النَّقْل ..)) ، هل نسوا أنهم قد قالوا : ((قبل تواتر النقل)) ؟! فهل عبارة ((قبل تواتر النقل)) تعني أنه كان متواترا في زمن النبي (صلى الله عليه وسلم) وفي زمن أبي بكر وعمر وصدرا من خلافة عثمان ؟ أم تعني أنه لم يكن متواترا ؟
الأمر لا يحتاج إلا عقلا ليعرف المرء الجواب ! فـ(قبل التواتر) لا تعني إلا أنه لم يكن متواترا ، ثم صار متواترا !! ولقد قال أهل الحديث قديما : إذا أردت أن تكون كاذبا فكن ذاكرا !!
إذن هم قد قالوا بأن القرآن لم يكن متواترا قبل جمع عثمان (رضي الله عنه) ، وهذا ما نفوه في تعقيبهم الأخير ، وهذا من الكذب الصريح الذي لا عذر فيه لأحد ! وكان الأولى بهم الاعتراف بالخطأ ، والتراجع عنه ، بدلا من التمادي في الباطل !!
الوقفة الثانية : مع قولهم : ((ومَن زَعَم أنَّ الصَّحابيَّ الذي أنكر آيةً مِن القرآن أنَّها عنده متواترةٌ فقد اتَّهمه في دينه)) . حيث إن هذا الزعم لم يقل به عاقل ، ولا علاقة له بكلام أحد ، فهو لغو وعبث وتضييع للقارئ وإيهام له بخلاف موضع النزاع . ولذلك فقد قلت في كتابي عن حكاية ما وقع في موضع (ص61-62) : ((ومن كان يحك المعوذتين ؛ اعتقادا أنها ليست من المصحف ، ومن أدخل في المصحف سورتي الحفد والخلع ( وهي دعاء القنوت) ؛ لعدم علمه بنسخ تلاوتهما ، ومن أنكر قراءة متواترة)) ، وقلت في موضع آخر (108): ((وعندما ذكرنا من كان يحك المعوذتين من الصحابة ؛ اعتقادا أنها ليست من المصحف ، ومن أدخل في المصحف سورتي الحفد والخلع ( وهي دعاء القنوت) ؛ لعدم علمه بنسخ تلاوتهما)) .
فلا يقول عاقل ولا يتصور أن مؤمنا يعلم قطعا أن لفظة من الألفاظ من القرآن الكريم ، ثم هو ينكرأنها منه ، هذا تناقض لا يقع في عقول العقلاء أصلا ؛ إلا إذا اختل الشرط ، فكان المنكِر غير مسلم ، أو كان لا يعلم أنها من القرآن .
فما محل قولهم في تعقيبهم : ((ومَن زَعَم أنَّ الصَّحابيَّ الذي أنكر آيةً مِن القرآن أنَّها عنده متواترةٌ فقد اتَّهمه في دينه)) ؟!! إلا محل الشغب والتشتيت والتلبيس والإيهام الباطل.
الوقفة الثالثة : وهي من باب الهروب إلى الأمام ، على منهج المستكبرين ، لا على منهج أهل الحق وطلبة العلم ! وهي استدلالهم بالنقل الذي نقلوه عن الحافظ ابن حجر ، وهو القول الذي نقل فيه كلاما للرازي ، ثم تعقبه الحافظ ابن حجر بقوله : ((وهذه عُقدةٌ صعبةٌ. وأُجيب باحتمالِ أنَّه كان مُتواتِرًا في عَصرِ ابن مسعود، لكن لم يتواتَرْ عند ابن مسعودٍ، فانَحلَّتِ العقدةُ بعونِ اللهِ تعالى)) .
فما علاقة هذا النقل بقولكم السابق : ((بل إنَّ شيخ الإسلام يفرِّق بين مَن أخطأ قبلَ تواتُرِ النَّقْل ..)) ؟! فأنتم تقولون : إن القرآن أو بعضه لم يكن متواترا قبل جمع عثمان ، عندما قلتم عن القرآن كما سبق ((قبل تواتره)) ، والحافظ ابن حجر يرد على هذا الزعم ، فهو يقول : ((أنَّه كان مُتواتِرًا في عَصرِ ابن مسعود))، أي قبل جمع عثمان .
وهكذا يؤكد أصحاب موقع الدرر السنية ما يؤكدونه في أكثر الأحيان : أنهم أصحاب قص ولزق ، دون فهم ولا إدراك معنى !
فالحافظ ابن حجر يقول بقولي نفسه بكل تفاصيله : وهو أن القرآن الكريم متواتر كله (لا بعضه) قبل جمع عثمان وبعده ، ولكن المانع من تكفير من أنكر بعضه هو عدم علمه بتواتر ما أنكره . وهذا هو سبب عدم التكفير ، ألا وهو عدم علم ابن مسعود بتواتر المعوذتين ، كما صرحت به في كتابي (تكفير أهل الشهادتين) ، وليس التفريق المزعوم لأصحاب موقع الدرر السنية ، وهو تفريقهم القائم على أن القرآن الكريم كان غير متواتر قبل جمع عثمان ، كما في ردهم الأول ، أو على دعوى التفريق بين حكم إنكار تواتر القرآن قبل جمع عثمان وحكم إنكار تواتره بعد الجمع ، كما في تعقيبهم الأخير (وكما سيأتي بيانه) !!
فالحافظ ابن حجر هنا يرد عليهم ويوافق قولي قوله بلا أي اختلاف : وهو أن القرآن الكريم كله (لا بعضه) متواتر قبل الجمع العثماني وبعده ، لا كما يزعمون ، وأن سبب عدم التكفير هو عدم العلم ، رغم التواتر الذي لا يضره جهلُ من جَهِلَ النقلَ المفيد للقطع .
ومع ذلك يورده أصحاب موقع الدرر السنية مستشهدين به على قولهم بلا وعي !!
نعوذ بالله من هذا المستوى من الجهل ! ومن الاستكبار عن قبول الحق والرجوع إليه !!
ثم يقول أصحاب موقع الدرر السنية : ((وقال شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّة مُقرِّرًا هذا المعنى أيضًا في ((مجموع الفتاوى)) (12/ 493): (وبَعضُهم كان حَذَف المُعوِّذتين، وآخرُ يَكتُب سُورةَ القُنوت. وهذا خطأٌ معلومٌ بالإجماعِ والنَّقلِ المتواتِر، ومع هذا فلمَّا لم يَكُن قدْ تَواتَرَ النقلُ عِندَهم بذلك لم يَكفُروا، وإنْ كان يَكْفُرُ بذلك مَن قامَتْ عليه الحُجَّةُ بالنَّقلِ المتواتِرِ)، وهذا النقل نقلناه هناك لكن الدكتور لم يلق له بالًا وتجاهله!)) .
ياجماعة ، ألا تخجلون من الكذب ! هذا النقل عن ابن تيمية أنا من نقله في كتابي (تكفير أهل الشهادتين) (ص109 -110) ، فكيف أكون لم ألق له بالا ؟! وكيف أتجاهله ، وأنا من ذكره مبينا الموقف الصحيح من هذه المسألة ؟!!
الفرق بيني وبينكم : أنكم (كالعادة) لا تفهمون ما تنقلون ، ولذلك تحتجون به على ما لا يدل عليه !
فشيخ الإسلام ابن تيمية لم يقل إن القرآن أو بعضه لم يكن متواترا ؛ إلا بعد جمع عثمان ، وأنتم تخالفونه وتقولون ذلك !
وشيخ الإسلام ابن تيمية جعل مناط التكفير : هو أن يعلم المنكِر بالتواتر ، ثم ينكر ما علم قطعا تواتره . وهذا ما لم تقولوه أنتم ، عندما جعلتم مناط التفريق هو الإنكار قبل التواتر وبعده ، والمحدد بجمع عثمان (رضي الله عنه) .
وهكذا يتبين أن من تجاهل قول شيخ الإسلام ابن تيمية هو من حرفه عن معناه ، لا من ذكره واستدل به على معناه ، ثم جئتم تقولون بكل جرأة : ((وهذا النقل نقلناه هناك لكن الدكتور لم يلق له بالًا وتجاهله!)) !! فالدكتور هو من نقله هناك (أولا) ، وأنتم من تجاهلتم معناه الواضح مقولين له ما لم يقله (ثانيا) .
ثم يقول أصحاب موقع الدرر السنية في تعقيبهم الأخير : ((ولْيَعلمِ القارئُ أنَّ القرآنَ الكريمَ نزَلَ على نبيِّنا محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم مُفرَّقًا، وكانتِ الآياتُ تَنزِلُ ويَتْلوها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم على مَن عِندَه مِن الصَّحابةِ، فيَحفظُها مَن يَحفَظُها مِنهم، ومات صلَّى الله عليه وسلَّم وليس كلُّهم كان يَحفَظُ القرآنَ كلَّه؛ فمِنهم مَن هو أقرأُ مِن غيرِه، والقرآنُ كلُّه- بلا شكٍّ- كان مُتوتِرًا في زمَن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم والصَّحابةِ عندَ جَميعِهم، وهذا مَعلومٌ مِن الدِّينِ بالضرورةِ، لكن ليس بالضروةِ أنْ تكونَ كلُّ آيةٍ في القرآنِ متواترةً عِندَ كلِّ صحابيِّ؛ لذلك لم يقُلْ أحدٌ مِن المسلمين بتكفيرِ مَن أنكرَ حَرفًا فيه منهم أو زاد أو نقَص، وإنْ كانوا قدْ أجمعوا على تكفيرِ مَن أنكر حرفًا منهم بعدَ جمْع عُثمانَ رضِي اللهُ عنه القرآنَ في مصحفٍ واحدٍ، وأمَرَ بحَرْق بقيَّةِ المصاحِفِ، فصار هذا إجماعًا للصحابةِ جميعهم، أَطبقَتْ عليه الأمَّةُ ؛ ولم يَختلفْ المسلمون في شيءٍ منه، يَعرِفُه الجاهل كما يَعرِفُه العالم)) .
وهنا وقفات :
الأولى : هنا رجوع من أصحاب موقع الدرر السنية عن أن القرآن الكريم مر بمرحلتين : ما قبل التواتر ، وما بعده . وهو اعتراف منهم بأنهم قد اكتشفوا خطأهم الخطير الذي كان في الرد الأول ، عندما زعموا أن القرآن الكريم مر بمرحلتين : كان غير متواتر (وهي مرحلة النبي صلى الله عليه وسلم وفي خلافة أبي بكر وعمر وصدرا من خلافة عثمان رضي الله عنهم) ، ومرحلة التواتر (وهي ما بعد الجمع العثماني) .
ولكن هذا الرجوع لم يكن رجوعا للحق ؛ وإنما هو رجوع للباطل ؛ لأنهم لم يعترفوا بخطأهم السابق ، بل زعموا صوابه ؛ ولأنهم ما زالوا مصرين على تخليطهم في فهم مناط التكفير باعتقاد الزيادة أو النقص في القرآن الكريم .
الوقفة الثانية : ما دام القرآن متواترا من قبل الجمع العثماني ومن بعده ، مادام مقطوعا به قبله وبعده ، مادام معلوما من الدين بالضرورة من قبل ومن بعد أيضًا = فما الفرق بين من زاد أو نقص جهلا منه بهذا التواتر وغفلةً عن القطع وعدمَ علمٍ بالعلم الضروري قبل الجمع العثماني وبعده ؟! ما هو الفرق المتعلق بزمن الإنكار الذي كنتم وما زلتم تزعمونه !
هذا الأمر السهل الواضح هو ما عجز القائمون على موقع الدرر السنية أن يفهموه !
فلا بأس أن نوضحه لهم بما سبق !
الوقفة الثالثة : إذا كان تواتر القرآن الكريم قبل الجمع العثماني ، والعلمُ الضروري به قبله = لا يلزم منه أن يكون كله متواترا عند كل صحابي ، ولا جميعه معلوما بالدين ضرورة عند كل فرد منهم ، كما قلتم : ((ليس بالضروةِ أنْ تكونَ كلُّ آيةٍ في القرآنِ متواترةً عِندَ كلِّ صحابيِّ)) ، والصواب أن تقولوا : كل سورة أيضا ؛ لأن الزيادة والنقص وقع حتى في السور ، ولم يقتصر على الآية واللفظة . فما الفرق بين ما ((ليس بالضرورة)) قبل ذلك التواتر وما قبل ذلك العلم الضروري وما بعده ؟ لماذا يكون التواتر والعلم الضروري قبل الجمع العثماني عذرا لمن زاد أو نقص جهلا بالتواتر والعلم الضروري والتواتر والعلم الضروري بعد الجمع العثماني ليس عذرا ؟!
ليس لهذا التفريق بين المتفقات إلا أحد احتمالين :
- إما أنه الخلل في التفكير ، الذي يقبل التناقض دون شعور .
- وإما أنه تفريق جوهري ، يعود إلى أن هناك فرقا حقيقيا بين التواترين والعلمين الضروريين بالقرآن الكريم يفرق بين تواتر وعلم ضروري كان في زمن النبي (صلى الله عليه وسلم) وخلافة أبي بكر وعمر وأوائل خلافة عثمان (رضي الله عنهم) ، وتواتر وعلم ضروري حدث بعد جمع عثمان (رضي الله عنه) . وهنا نعود إلى التشكيك في القرآن من جديد ، الذي هو مؤدى كلام المعقبين في موقع الدرر السنية ، كما بينته سابقا .
الوقفة الرابعة : ذكرت في كتابي ، ونقلا عن شيخ الإسلام ابن تيمية أيضًا ، صورا من اعتقاد زيادة أو نقص وقعت بعد الجمع العثماني : كالخلاف في البسملة ، وكإنكار بعض القراءات المتواترة ، وهناك صور أخرى : كاستمرار بعض السلف على قراءات تخالف المصحف العثماني (والتي يسمى بعضها بالشاذة - على اصطلاح- ) ، واستمرار بعضهم يقرأ بقراءة ابن مسعود المخالفة للمصحف العثماني ، حتى جاء في (المدونة) لسحنون : ((وقال مالك: من صلى خلف رجل يقرأ بقراءة ابن مسعود فليخرج وليتركه.
(قال سحنون) : قلت: فهل عليه أن يعيد إذا صلى خلفه في قول مالك؟ قال ابن القاسم: إن قال لنا يخرج فأرى أنه يعيد في الوقت وبعده)) (1/ 177) .
ذكرت بعض هذه الصور في كتابي (تكفير أهل الشهادتين) ، وهي مما وقع بعد الجمع العثماني ، ولم أجد عند أصحاب موقع الدرر السنية إلا صمتا مطبقًا تجاهها ، مع أنها تنقض تفريقهم الجاهل الأول : عندما زعموا أن القرآن لم يكن متواترا ، وتنقض تفريقهم الجاهل الثاني : عندما فرّقوا بين التواترين والعلمين الضروريين ففرقوا بين المتفقات !!
وهكذا يتبين أن الموقع ما زال غارقا في جهله وتشكيكه !
ولو اتقوا الله ، لعلموا أن دين الله تعالى أولى بالانتصار من مذهب نسبوه للسلف جهلا ، وأن التشكيك في القرآن لا تقبله الأمة بأي عذر !!
وهذا رابط تعقيبهم : http://www.dorar.net/article/1867
تاريخ النشر : 1436/11/09 هـ
طباعة المقالة




